مجد الدين ابن الأثير
468
المختار من مناقب الأخيار
وقال الأصمعيّ : مات ابن لأعرابية ، فما زالت تبكي حتى خدّ الدّموع في خدّها ، ثم استرجعت ، فقالت : اللهمّ إنّك قد علمت فرط حنوّ الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما ببرّه ، وعلمت قدر عقوق الولد لوالديه ، فمن أجل ذلك حضضته على طاعتهما ، وألزمته برّهما . اللهمّ وقد كان ولدي من البرّ بوالديه على ما يكون الوالدان بولدهما فأجره بذلك منّي صلاة ، ولقّه سرورا ونضرة . فقال لها أعرابيّ : نعم ما دعوت له ، لولا أنّك شبته من الجزع بما لا يجدي عليه . فقالت : إذا وقعت الضّرورات لم يجر عليها حكم المكتسبات ، وجزعي على ابني غير ممكن في الطاقة صرفه ، ولا في القدرة منعه ، واللّه ولي عذري بفضله ، فقد قال اللّه عزّ وجلّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 173 ] « 1 » . * * * وقال أبو عبد الرحمن القرشيّ عن رجل من بني ثعلب ، قال : شهدت امرأة من أهل البادية توصي ابنا لها ، وأراد سفرا فقالت : يا بنيّ ، أوصيك بتقوى اللّه ، فإنّ قليلها أجدى « 2 » عليك من كثير عقلك . وإيّاك والنّمائم ؛ فإنّها تزرع الضّغائن ، وتفرّق بين المحبين ، ومثّل لنفسك ما تستحسنه من غيرك مثالا ، ثم اتّخذه إماما ، واعلم أنّه من جمع بين السّخاء والحياء فقد استجاد الحلّة إزارها ورداءها « 3 » . * * * وقال أبو بكر الشّيرازيّ : تهت في بادية العراق أيّاما كثيرة لم أجد « 4 » شيئا أرتفق به ، فلمّا كان بعد أيام رأيت في الفلاة خباء شعر مضروبا ،
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 392 . ( 2 ) في ( ب ) : « أجرى » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 393 . ( 4 ) في ( ب ) : « لم أر » .